تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٢٩ - مكاشفة الهامية
الذي له صدر الكلام، لأنه مفعول أهلك و «يمشون» في محل النصب على الحال:
و يحتمل أن يكون الفاعل نفس هذا الكلام بحسب المحكي عنه، و المعنى كقولك:
«يعصم لا إله إلا اللّه الدماء و الأموال» أو ضمير يرجع إلى اللّه بدليل قرائة زيد «نهد» بصيغة المتكلم.
و قرء يمشون- بضم الياء و تشديد الشين- أى: أ و لم يبصرهم و يبيّن لهم كم أهلكنا من القرون الماضية لكفرهم و عتوّهم و ارتكابهم المعاصي فانتقمنا منهم يمشون هؤلاء القوم- يعنى كفار قريش- في مساكنهم و يمرون في متاجرهم على ديارهم و بلادهم و يرون آثارهم.
و قيل معناه: إنا أهلكناهم بغتة و هم مشغولون بصنايعهم و مشاؤون في منازلهم، إن في ذلك دلالات واضحات على حقارة الدنيا و الحثّ على طلب الأمور الباقية، أفلا يسمع هؤلاء الكفار من أهل التواريخ و الحكايات ما يوعظون به من المواعظ و المنبهات.
مكاشفة الهامية
«المشي في المساكن» إشارة إلى وقوف قوم على أوائل الأنظار و مبادي الأفكار، و عدم خروجهم عن عتبة باب المحسوسات و الأوليات مع غاية سعيهم فيما لا يعني و نهاية جدهم في طلب هذا الفاني، و هم يمشون في الحقيقة في مساكنهم و يجمعون تلفقات أقوام بلا روية جمعا، و هم الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [١٨/ ١٠٤] و مشاهدة هذا الحال في أكثر الجهال المتشبهين بأرباب الكمال، المتورطين في مواقع الهلاك و الوبال، الهائمين في أودية الشبه و الضلال، تنبيه بليغ و هداية واضحة و دلالة كاشفة لأهل الاستبصار و السلوك إلى عالم الملكوت و قرب الحق المهيمن المتعال ذي الجمال و الجلال، فيتفطن اللبيب الذكي إنهم في واد و أهل الآخرة في واد آخر، إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون.